الثلاثاء , 26 مارس 2019 - 1:50 صباحًا
رئيس التحرير محمد السيد
المشرف العام حسن ثابت هويدى
مستشار التحرير د.صباح الحكيم

الكاتبة الكردية السورية : لامار أركندي تنضم إلى “أخبار النهاردة” ب “خاتون ..المقاتلة الكردية الأسطورة”

بقلم الكاتبة الكردية : لامار أركندي

ألتقيتها في جبال “سنجار” ,خاتون الحسناء الإيزدية المقاتلة من وحدات حماية المرأة الشنكالية في الذكرى السنوية الثانية للمجزرة التي ارتكبها تنظيم داعش المتطرف بحق الكرد الإيزديين في الثالث اغسطس 2014بشنكال تسمية الكرد الإيزديين لموطنهم الأصلي “سنجار”.

كانت بضعة أمتار تفصلني عنها ,وهي تحمي أبناء جلدتها في تلك الجبال التي أدمت من هول ما حل بها قبل السنتين من اليوم وسط جموع الشنكاليين القادمين من مخيم “نوروز” للاجئين بمدينة ديريك في غربي كردستان (شمال سوريا), ومدينة سنون الملاصقة لجبال شنكال ,والقرى المحررة المحيطة بها .

أفتنتني إبتسامتها المثقلة بإرادة حديد شب من جبروتها, لم أفوت فرصة لقاء قد لا يتكرر فربت على كتفها, خوشكى(أختي ) هل تحدثيني قليلاً ,لم تمانع من الاستجابة لطلبي بالحديث بعد أن أخبرتني عن إسمها “خاتون”.
سألتها :هل تقيمين مع عائلتك أيتها الجميلة الشجاعة ,فداعش يخاف رصاصاتك  ؟؟ !!

ضحكت بهدوء قائلة :نعم كم يروقوني أن أتصيدهم الواحد تلو الآخر , فهم قتلوا عائلتي, وكل من أملك ,احرقوا بداخلي حياة كاملة , دمروا وطني وذبحوا أهلي, أخوتي, أصدقائي ,جيراني كل من أحب في تلك الليلة الملعونة ,جاؤوا حاملين إرهابهم وسكبوه في قلب شنكال تحت أسم الله ,ونحن الكرد الايزديين كنا أول من ركع للخالق عبر التاريخ.

وتابعت خاتون : دخلوا مدينتي ,وكبروا, وبدأوا يجرون الفتيات والأطفال ,والنساء من شعرهن ,كنت مع أمي وصديقاتي ,وجاراتي من بينهم ,واقتادونا بعيداً ,صوت صراخنا كاد يشق كبد السماء ,وهم ينهالون علينا بالضرب مكبرين .

ذبحوا كل من صادفوه في طريقهم ,قتلوا إخوتي الخمسة ,ووالدي أمامنا ,والكثير ممن عرفناهم وأحببناهم ,نحروا رؤوسهم ونثروها على أرصفة المدينة التي اكتظت بجثث أحبتنا تحت أسم دين منهم براء.

وصلت خاتون مع الآلاف من الفتيات والأطفال ,والنساء إلى مدينة رقة معقل تنظيم داعش في سوريا ,وأودعوا سجناء في مستودع كبير بعد أيام من خطفهن من معشوقتهم شنكال كما تقول.

وتواصل خاتون :فصلوا الأطفال عن أمهاتهم ,وحرمونا نحن البقية من الطعام والماء لأيام ,بقيت ملاصقة لأمي ,كم أشعرتني بأمان وانا متشبثة بحضنها ,سحبوني من بين زراعيها ,كانوا عشرة, ستة منهم اغتصبوني لساعات, والبقية ذبحوا أمي أمامي ,وفصلوا رأسها عن جسدها , فقدت الوعي والإحساس فعيناها تسمرتا وصمتتا إلى الأبد, وبدؤوا فرم جسدها إرباً إربا, تمنيتُ أن أفيق من ذاك الكابوس الذي لم أصدقه للآن .

أيقظوني لتبدأ رحلة المعاناة الأكبر عندما جاؤوا بالطعام ,وأجبرونا تناوله ,لن أنسى ابتسامتهم الصفراء الخبيثة حينما قال أحدهم :سنكرمكم اليوم في الطعام ,وغداً وبعد غد ستأكلون كل يوم اللحم الطازج, وتقهقهوا ,أعطوني صحناً وسكبوا فيه يد أمي ,وبعض لحم جسدها بعد أن قطعوها أجزاء ,وطبخوها طعاماً لنا وأرغمونا على تناوله .

كنت أفقد الوعي وأستسلم له, فصورتها لم تفارقني ,بقيت عالقة في مخيلتي قابعة أمامي ,وهي منحورة لا حول لها ولا قوة من ذنب لم تقترفه .

حدثتني خاتون عن ذبح العديد من الأطفال بعد فصلهم عن أمهاتهم وتقطيع أوصالهم ,وأطرافهم الصغيرة ,وطهي لحمهم وإجبار الأمهات على تناول لحم فلذة الأكباد.

قالت: الكثير منهن فقدن عقولهن ,وأخريات فارقن الحياة من فظاعة تلك المشاهد , والكثيرات أقدمن على الانتحار .

حدثتني عن تصميمها هي وبعض الفتيات ,والنساء على الفرار وفشلن عدة مرات لتأتي أخيراً المحاولة التي كللت بالنجاح بعد أن تولت الداعشيات من النساء الإشراف على مراقبتهن ,و تمكنت هي وشيرين المختطفة معها الهروب بعد إيقاع الداعشية المراقبة على الأرض ,وضرب رأس الداعشية “أم حذيفة” بأخمص الكلاشينكوف الذي كانت تبتدعه.

فرت المختطفتان خلسة وركضتا في الشوارع الفرعية للمدينة كي لا يتسنى لعناصر التنظيم العثور عليهن .

وتضيف: طرقنا باب بيت ,ومن حسن حظنا كان صاحب البيت رجلاً مسناً هو وزوجته من أكراد كوبانى “عين العرب” ,أدخلانا وأخفيانا تماماً, سردنا عليهما قصتنا ,وهنا أقسم الكردي بافى معروف “أبو معروف” أن يأمن طريقة خروجنا من الرقة .

بعد يومين هربنا إلى مدينة” كوبانى ” بمساعدة بعض المهربين و استقر فيها مع عائلته ,وسلمنا إلى وحدات حماية الشعب الكردية ,ومنها أمنونا إلى مخيم “نوروز” للاجئين في مدينة ديريك القريبة من مدينة قامشلو “القامشلي “وبعد أيام صممت الانضمام لوحدات حماية شنكال وأقسمت الثأر لوطني وأمي ,وعائلتي.

تلقيت تدريباتنا العسكرية أنا ورفيقة دربي شيرين ,صممت أن أكون صيادة هؤلاء الذين دمروا شعبي ووطني, مع الكثير من الناجيات الإيزيديات العائدات, اللواتي أصبحن مقاتلات يقشعر داعش اليوم من رصاصتهن .

رسمت لي صور المعارك التي خاضتها مع المقاتلات الكرديات ضد عناصر التنظيم, اللاتي اقسمن إفناء داعش إلى الأبد ,والانتقام لكل امرأة وطفل ذاقوا ويل الاستعباد ومر الظلم على يد التنظيم الإرهابي.

كم أدهشتني خاتون بنت العشرين ,بجبروتها القابع في ربيعها الجميل ترتطم آهاتها بأمواج غضب تضرب صف أسنانها اللؤلؤية البراقة, منحنٍ لسحر عينيها العسليتين اللتين تبشران بشاطئ الأمان.

طلسم زمن خيّل لي في ملامح تلك المقاتلة الحسناء الأسطورة يطن صدى صوتها بحشرجة احتبست في أنفاس إيزيدية سبيت في أزمنة ملعونة , تخرج حقائبها المنسية إلى اللاعودة .

قبل عامين من اليوم ,تغيرت تفاصيل الألم و بقي بصمته مروية بالدم ,لم أتقن قراءة تاريخ مضى كما حدث لكن أحسست بجمرة غضب بركان قابع تحت مملكة الجبال ,والجمال أنها شنكال .

 

 

شاركها:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *