الجمعة , 15 نوفمبر 2019 - 7:41 مساءً
رئيس التحرير محمد السيد
المشرف العام حسن ثابت هويدى
مستشار التحرير د.صباح الحكيم
السيد رشاد

” مذبحة اللغة ” .. للكاتب الصحفى / السيد رشاد

أخبار النهاردة- بقلم الكاتب الصحفى / السيد رشاد

عقب انتصار أكتوبر العظيم، 1973، وقف العالم كله على أطراف أصابعه، معلنا احترام «العرب» الذين حققوا معجزة هزيمة إسرائيل ومن ورائها الغرب كله، وقد تجلى هذا الاحترام ضمن ما تجلى فى جعل اللغة العربية هى اللغة السادسة عالميا والاعتراف بها كلغة عالمية حية طبقا لقرار الأمم المتحدة، بل تخصيص الثامن عشر من ديسمبر ليكون يوما عالميا للغة العرب الذين انتظر منهم هذا العالم بعد معجزة النصر، الإسهام الإيجابى فى الحركة الدولية على كل المستويات

 

لكن لا العرب استثمروا انتصارهم فى مشروع ثقافى ـ اجتماعى ـ اقتصادى تراكمى يحقق لهم مكانتهم اللائقة، ولا حتى أدركوا قدراتهم أواحترموا مقومات قوتهم وتميزهم، وكان أول ما أهدروه ـ مع الأسف ـ لغتهم، ناسين أو متناسين أن الأمة هى اللغة

ولم يهتز لمسئول عربى واحد «جفن» وهو يرى إقالة وزير فرنسى مرموق، فقط لأنه أخطأ لغويا فى كلمة على الهواء، ولم يفهم مثقف عربى واحد رسالة الألمان الذين يجيد الفرد منهم أكثر من لغة، لكن يرفض التحدث بغير الألمانية داخل وخارج بلاده، بل حتى لم يدركوا سر رفض اليابانيين اقتراحا بتغيير أبجديتهم الصعبة جدا، والتى تتجاوز آلاف الحروف والرسومات، بما يشكل صعوبة هائلة فى انتشار «اليابانية» ..فقط لأنها لغتهم

لكننا فى المقابل تفننا فى إهدار وتشويه وتسفيه وتجريف، وتحريف وقل ما شئت، لغتنا العربية، أهم مقومات وجودنا، وعنوان هويتنا الأهم، بل سلاح مقاومتنا الأول الذى استخدمته أمتنا، ضد الاستعمار القديم فى كل أنحاء العالم العربى والذى امتد حتى عرب المهجر..

ونتذكر جميعا معركة تعريب الجزائر التى كانت أهم أسلحة طرد الاستعمار الفرنسى، وهو السلاح الذى نحن فى أشد الحاجة إليه الأن أكثر من أى وقت مضى، لمواجهة الخطر الوجودى الذى يهدد أمتنا العربية فى وجودها نفسه..

بل نسينا حتى أن نتعلم من مجموعة «لقطاء صهاينة» جمعهم الغرب بقيادة بريطانيا ووريثتها أمريكا من كل جيوب العالم، وحارات قاراته الست، ليكونوا دولة عنصرية وهمية، كان أبرز مقوماتها المبتسرة، إحياء لغة ميتة من العدم «العبرية» لتجمع ما كان مستحيلا جمعه، فيتحدث بها الروسى والألمانى والبولندى والفرنسى واليمنى والحبشى والبرازيلى والأسترالى، إلخ، فأقاموا إلى جوار قواعدهم العسكرية، ومعاملهم البحثية مدارس «تشبه الكتاتيب» لدينا فى الماضى لتعليم أى صهيونى وافد، «العبرية»

بينما نفخر نحن بأن أبناءنا لا يجدون لغتهم العربية، لأنهم من الصفوة خريجى المدارس والجامعات الأجنبية، ويزداد فخر هؤلاء كلما زاد فشل أبنائهم فى التحدث باللغة الفصحى، مما أدى إلى تكريس اللهجات العامية والانحياز إلى التقسيمات القطرية والجغرافية الضيقة، وما يسببه اختلاف الألسن واللهجات من مشكلات حتى إن اتسم معظمها بالطرافة منها:

ما ذكره الكاتب السعودى منذر سليمان، فى كتابه «أخطاء لغوية» من أن مقولة «أعطاك الله العافية» هى دعاء مستحب فى المشرق، فى حين أنها «دعاء بدخول النار» فى بعض لهجات المغرب العربى

وبينما تستخدم كلمة الدعم بمعنى العون، فى معظم بلادنا العربية، فإنها تعنى فى العامية الكويتية «الصدم بالسيارة»

ولأن معظم الأشقاء فى السودان ينطقون «القاف» «غينا» فقد أصر زميل سودانى كان يعمل فى إحدى الجرائد العربية على تحويل كلمة «البرتغال» إلى «البرتقال» ولما نبهه زملاؤه إلى الخطأ، أصر على رأيه من منطلق كونها جمهورية جديدة تجاوز جمهوريات «الموز» الشهيرة فى أمريكا اللاتينية، ولم يتزحرج عن قناعته إلا عقب خصم مبلغ مالى من راتبه، فقد كان الخطأ فى مقال رئيس التحرير شخصيا

وإذا كانت كلمة «التقبيل» لها دلالتها المعروفة فى مصر، فإن أحد المصريين تسمر مذهولا، عقب هبوطه من ميناء جدة ـ أمام إعلان يقول:«محل للتقبيل بسعر مغر جدا» فهو لم يكن قد عرف بعد أن كلمة «تقبيل» تعنى فى السعودية «نقل حق الانتفاع بالمحل التجارى».

ولأن لدينا تعليما رديئا، فقد أصرت وزارة التربية والتعليم فى مصر على تدريس مناهج لغة عربية «مسروقة» منها كتاب «خديجة بنت خويلد» و«على مبارك» المسروقان من مؤلفهما الأصلى عبدالسلام العشرى، وإن لم يكن منهج اللغة العربية مسروقا فهو يكرس للخيانة الوطنية، وإلا فبماذا تفسر إلغاء تدريس رواية «كفاح طيبة» لأديب نوبل نجيب محفوظ التى تعلم الصغار معانى الكفاح والتضحية من أجل الوطن وحريته، والتصدى لأعدائه، لتأتى الوزارة وتستبدلها برواية «شجرة الدر» التى تعلم الصغار فى هذه السن الحرجة قيم غاية فى السلبية والخطورة مثل الخيانة والانحياز للمصلحة الذاتية على جثة الوطن وسلامته، وتكريس فكر المؤامرات والتشرذم..

فماذا ننتظر من وزارت تبدأ منهجها للغتها الأم بالسرقة وتختتمه بالخيانة؟!

أما الإعلام فهو الضلع الثانى بكارثة تدمير اللغة العربية، فالفضائيات التى تدخل كل بيت تزهو بأسمائها الأجنبية، ويزهو مذيعوها بجهلهم اللغوى، فأصبحت عبارة إلى ذلك «تحل محل» إضافة إلى ذلك بل كثيرا ما تسمع عبارة تمت محاولة الاغتيال، فضلا عن نشر الإسفاف والسخف اللغوى بكل صوره

أما الضلع الثالث من محنة «اللغة العربية» فيتمثل فى وزارة الثقافة وكلنا نتذكر أحد رؤساء هيئة قصور الثقافة السابقين فى زمن دولة المكافآت واستبعاد الكفاءات وهو لا يزال بالمناسبة رئيسا لهيئة أخرى لا تقل أهمية، هذا المذكور ضبط له خطاب بخط يده يكتب فيه كلمة لكن (لاكن) وأسوان «أصوان» بالرغم من أنه أستاذ جامعى فى النقد الأدبى!

أما عن مذبحة اللغة فى المرافعات القضائية التى كانت مدرسة فى البلاغة والإبداع اللغوى، فأصبحت كما نراها الآن على شاشات الفضائيات.

إننى أكررها «الأمة هى اللغة» ونحن فى حربنا الشرسة للحفاظ على هويتنا العربية، علينا أن يكون احتفال هذا العام باليوم العالمى للغة العربية بداية لخطوات جادة لإنقاذ اللغة..

ولنبدأ بالآتى :

تعديل مناهج كليات ومعاهد الإعلام وإدخال اللغة العربية إليها بكثافة، والأهم طبقا لمعايير الجودة، وتعديل مناهج أقسام اللغة العربية وإدخال مواد جديدة بها مثل مادة «الأخطاء اللغوية» ومادة «قرارات المجامع اللغوية» وربط المؤسسات الصحفية بالمجامع العربية عبر مكتب اتصال لغوى لتعميم ما يستجد من قرارات مع تنظيم دورات خاصة للصحفيين والإعلاميين تركز على قواعد اللغة وأخطائها الشائعة والتدريب على الترجمة السليمة مع تنظيم وضبط مهنة «المراجع اللغوية» وإنشاء نقابة خاصة بها، وحمايتها من الدخلاء، وتفعيل التعاون بين أقسام اللغة العربية وجمعياتها والمؤسسات الرسمية والمدنية المهتمة بها، مع إنشاء لجان لتدقيق اللوحات الإعلانية وتطبيق العقوبات التى فرضها القانون لمن يكتب لافتات شركته أو محله أو مصنعه بلغة أجنبية، مع الاعتراف بأزمة اللغة العربية فى أوطانها والاستفادة من التقنيات الحديثة فى علاج هذه الأزمة، حتى لا نفاجأ بعد أعوام ربما تكون قليلة جدا بأن «لغتنا العربية الفصحى» أصبحت هى «اللغة الثانية» فى عالمنا «العربى

شاركها:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *