الجمعة , 15 نوفمبر 2019 - 7:41 مساءً
رئيس التحرير محمد السيد
المشرف العام حسن ثابت هويدى
مستشار التحرير د.صباح الحكيم
الاعلامى أحمد العش

* ثوابت الدين بين التأصيل والاستئصال * .. للإعلامى/ أحمد العش

أخبار النهاردة- بقلم الإعلامى/ أحمد العش:

فيما أراه يقينا ، تقف الشريعة الإسلامية الغراء ، بجناحيها العظيمين الشريفين قرآنا وسنة ، بين خصمين سجالا ، أحدهما حارسا لحدودها ولثوابتها حاميا ، وإن كان في التعداد قليلا ، مدافعا لأركانها الفيحاء من وراء جدر حنينا وأنينا ، وعلى استحياء جاهرا صميما ..

والآخر في كل جنبات الأرض مكثرا ، مبتغيا دحر الشريعة وتبديد أصولها أشد تبديدا ، ولئن كان سلاح الفريقين في ظاهره رنانا ، ففى الباطن بينهما اختلاف عظيم ، وكان جوهر التجديد الديني بينهما كاشفا مبينا 

أسوق هذه الخاطرة من وجدان الواقع الحياتي الإسلامي العصري ، وما يشهده من أضداد تبوء بها السرائر والضمائر بين العالمين بروزا ..

عن حديث الساعة أتكلم ، ذلكم الخطاب الديني أرجوحة الحديث والحدث بين أولي الألباب ، يمثل الخوض في مضمار تجديد الخطاب الديني ، وما يقتضيه من حيثية البلورة وآلية الصياغة ، مطلبا إلزاميا عاما تستدعيه الحالة التي وصلت إليها أمة الإسلام الراهنة ، بعدما ضربت عليها الذلة والمسكنة ..

ولكن هيهات بين أسلوب خطابي من أهله وفي محله ، وآخر من غير أهله وفي غير محله ، ليضيق العوام من الناس بين النقيضين ذرعا وسبيلا ..

وما رأيت الخطاب الديني في صورته المثلى ، إلا كما أرانيه نبراس الهدى المنير ، نبي الإنسانية البشير النذير ، وكل من نهل من إرثه الأخلاقي الطهور ، وينبوعه العلمي الغزير ، وفيضه الإنساني الوفير ، ذلكم الخطاب الديني صالح القول مصلح المقالة لكل زمان ومكان ، وإني لأجد أناملي وبناني ، وفؤادي ووجداني ، وعقلي وساقي ، يحدثونني ويحضونني ..

كيف قاد الخطاب الديني أمة الإسلام ، في سالف العصر والمكان ، إلى مراتب العزة والكرامة ، بقلبه وقالبه المترادفين والمتناغمين مرادا وبيانا !!

يا معاشر القراء أينما كنتم ، هلموا أسبح بكم فى عبق الماضي والتاريخ ، لآتيكم من فنون المجددين الألمعيين بقبس مضىء 

يا معاشر المسلمين في بقاع شتى ، مثقفين وعوام ، علماء وبسطاء ، لقد اختلف الخطاب القرآني من مكة للمدينة ، فلم لا يتجدد خطابا بلاغيا دينيا مرنا ، يضع الأمور فى نصابها ، يفرق بين الثوابت والمتغيرات ، يراعي الأصول والثوابت ، ويفرق بين القطعيات والظنيات والمحكمات والمتشابهات ..

لقد كان الخطاب القرآني في مكة يركز على محاور العقيدة للتأهيل والتهيئة ، مستخدما ضمير الغائب ، على نحو :

يا أيها الناس ، يا بني آدم ، مع وجود دلالة التبشير والترغيب في أكثر الآيات مثلا ( يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين )( 57 يونس ) ، ( يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) ( 35 الأعراف ) وفي ذلك قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها : ( لو نزل أول شىء لا تشربوا الخمر ، لقالوا لا ندع الخمر أبدا ، ولو نزل لا تزنوا لقالوا لا ندع الزنا أبدا ) ..

ثم تغير الخطاب القرآني في المدينة ، بنزول التشريعات وأحكامها ومقاصدها ، مع التمييز بين المؤمنين والمشركين والمنافقين مثل ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ، ومن يتولهم منكم فانه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين )( 51 المائدة ) ، ( يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون )( 27 الأنفال ) ، ( يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون )( 200 ال عمران )

 

وللتجديد الديني ضرورة حتمية في قوله صلى الله عليه وسلم ( إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة ، من يجدد لها دينها ) 

وللخطاب الديني ضوابط لا يقام إلا بها ، كتعظيم الثوابت وعدم المساس بحرف منها مثل: الاقرار بالألوهية والربوبية وذات الله وأسمائه وصفاته ورسله وأنبيائه وملائكته وكتبه ، وعلى نحو مثلا ( للذكر مثل حظ الأنثيين )، ومثل ( لقد كفر اللذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة ) ، ومثل ( حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ) ، ومثل ( ومن يتولهم منكم فإنه منهم ) … الخ 

وما من شائبة شك في أن نجاح الخطاب الديني ليستوجب في الحين والآن ، مراعاة حال المخاطب ، فمخاطبة القروي غير البدوي بخلاف الحضري ، وفي ذلك قوله تعالى ( وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ، فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء ، وهو العزيز الحكيم )

وعلى نفس النسق في الخطاب النبوي ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) وكذا قال الإمام علي رضى الله عنه ( حدثوا الناس بما يعرفون ، أتحبون أن يكذب الله ورسوله ) وقول ابن مسعود رضى الله عنه ( ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة ) ..

لقد كان الخليفة الأول أبو بكر الصديق مجددا فريدا ، والفاروق عمر مجددا نبيلا ، مُعظما للثوابت وأركانها ومَنَاطاتها ، مجتهدا أيما اجتهاد فى الفروع والظنيات والمتشابهات ، وعلى دربه كان عثمان ومن بعده علي رضي الله عنه ، الذي خلدت له التراجم والمدونات دررا في فنون التجديد الديني ، كقوله : إن للقلوب إقبالا وإدبارا ، فإذا أقبلت فاحملوها على النوافل ، وإذا أدبرت اقصروها على الفرائض 

ولله در علي من خلاصة المجددين قوله يوما ( ربوا أبنائكم على زمانهم فإنهم قد خلقوا لزمن غير زمانكم )

ورحم الله العالم الجليل والحاكم النبيل ، عمر بن عبدالعزيز مجددا عظيما ، ليغدوا عصره من أزهى عصور التاريخ مطلقا ، وله في التدرج في تحكيم الشريعة درر يافعة كالتي كانت بينه وبين ابنه ( يا أبت ما لك لا تنفذ الأمور ، فوالله ما أبالي لو أن القدور قد غلت بي وبك في الحق ، فقال الخليفة الراشد لا تعجل يا بني فإن الله قد ذم الخمر في القرآن مرتين وحرمها في الثالثة ، وإني أخاف أن أحمل الحق على الناس جملة فيدفعوه جملة ، ويكون من هذا فتنة ) 

وكان الإمام الشافعي مجددا ألمعيا جهبذا ، لما عدل من مذهبه ليوائم الطبيعة المصرية عن الطبيعة العراقية ، وعلى نسقه أقرانه الأئمة أبو حنيفة ومالك وابن حنبل ، وكذلك بزغ نجم المجددين في اجتذاب أكثر العباد إلى التجانس مع مقاصد الشريعة ، باعتدال دون ابتذال ، بترغيب ولا ترهيب ، بتحفيز دون تنفير ، بلا إفراط ولا تفريط ، بلهجة ضمير الغائب في تبليغ الدعوة والرسالة ، من أطرزة الأفذاذ والربانيين ، الحسن البصري وابن سيرين وسفيان الثوري ، وطاووس بن كيسان وعبدالله بن المبارك ، ومكحول ويحيى بن معين ، والبخاري ومسلم ، وابن تيمية وابن الجوزي ، والعز بن عبدالسلام وابن القيم ، والسيوطي والغزالي ، وآق شمس الدين في العهد العثماني وغيرهم 

يا معاشر المسلمين المعاصرين ، بينكم تباينات عدة على كل منحى ، وإن تجاوزتم المليار انسان في كل المعمورة ، في اللهجات مختلفون ، وفى الترابط متنصلون ، وفى القرار متشرذمون ، هل من خطاب ديني ناصع ساطع ، يئتلف العرب والأعاجم ، كالذي مُورس في العصر النبوي ، مستوعبا عمارا وأبويه وبلالا وأمه ، وصهيبا وسلمانا الفارسي ، أو كالذى مارسه أبو بكر بعد مبايعته في الخلافة ، بأنه من الناس وليس بأفضلهم ولا رفيعهم وان كان خليفة عليهم ، فأثر في أكثر الناس منهم كعب الأحبار اليهودي 

وكان عمرو بن العاص خطيبا داهية أثلجت كلماته قلوب المصريين فأسلم أكثرهم طواعية ، وكذا خالد لما كان قائدا في اليرموك ، فاحتوت كلماته جورجه قائد الروم ليسلم في حينه راغبا 

كم كان للخطاب الديني سلفا انعكاسات إيجابية أعظم أثرا ، في المد والظل وعلى المدى وأوسع صدى ، وكم يحتاج الخطاب الديني آنيا ، إلى ضرورة الابتكار في صنعته وبلاغته وتعبئته بمفردات تلبي كافة أطياف بني الإسلام ، محفزا غير منفر ، خطابا تجديديا بدلالات متعددة المشارب ، تتماهى مع ألسنة الأتراك وكائني القوقاز وأفريقيا والشرق الأسيوي ، والرحالة المسلمين في بلاد العم سام وباقي الأمريكتين وأوروبا العجوز 

يا حاملي مناطات التبليغ الدعوي من المسلمين ، في كل بؤرة على بساط الأرض ، أناشدكم حتمية ترسيخ الخطابات الدينية التي تعزز من عزيمة وعظمة ورفعة الشريعة الإسلامية ، بفخر وعز وجرأة في الحق ، بسائر لغات العالم ، العربية والإنجليزية والفرنسية والإسبانية والصينية والألمانية والروسية ، ليستبين سبيل المؤمنين ، وتتعاظم شوكة الموحدين ..

وصدق المعصوم صلى الله عليه وسلم ( بلغوا عني ولو آية ، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ، ومن كذب علي متعمدا ، فليتبوأ مقعده من النار )

شاركها:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *