الثلاثاء , 26 مارس 2019 - 1:50 صباحًا
رئيس التحرير محمد السيد
المشرف العام حسن ثابت هويدى
مستشار التحرير د.صباح الحكيم

” نزهة فى خيالى ” .. قصة قصيرة بقلم- جيهان عجلان

أخبار النهاردة-  بقلم- جيهان عجلان  

في إحدى الأيام  وددت أن أذهب في نزهة وحدي ،فاستيقظت كعادتي مبكرًا ،فوجدت الشمس على غير عادتها تعانق السماء بإشراقة رائعة الجمال ، فقلت أن الطقس مناسب لأن أخرج الآن لنزهتي ،وبالفعل بدأت استعد للخروج ،ولبست  معطفي وخرجت بلا هوادة فليس في رأسي مكان بعينه كل ما بخيالي أريد أن أتنزه لرؤية الحياة والبشر من حولي بتمعن ، فقلت لنفسي: لن استقل سيارةً أو قطارًا أو حافلةً سوف أسير على قدمي ، وبالفعل فعلت وغريبا ذلك  الشعور كأني أرى البشر لأول مرة، أرى الطرقات لأول مرة ،أرى حركة الحياة لأول مرة، الشمس منذ إيقاظي كانت على غير عادتها ، ثم توالت الغرائب من حولي من لحظة تحركي

وجدت الناس بشتى أنواعهم فقير وغني كل له شأن ، فهناك من يقف عند بائع الجرائد ،والآخر على عربة الفول ،والآخر ينتظر في موقف الحافلة؛ ليذهب لعمله أو أيُّ كان اتجاهه ، وهناك من يستقل سيارته؛ ذاهبا حيث طريقه  كل في شغف يلهث لمتطلبات يومه ، المحلات تفتح أبوابها للرزق، وورش السيارات تستقبل من يريد إصلاح سيارته ،ومن يقود عربة الخضار والفاكهة ؛مناديا بأعلى صوته على بيع بضاعته ،وهناك من يقول بيكيا بأعلى صوته ، حتى الدواب والحيوانات الأليفة التي تملأ الشوارع كل له طلب 

استمر ترقبي أكثر من ساعة عما يدور حولي ، حتى وجدتني قد وصلت إلى مكان بالقرب من النهر؛ فجلست لأستريح ،واقلب ما رأيت برأسي، هكذا كان وصف الله للإنسان “وخلقنا الإنسان في كبد”.. وما كان الكبد إلا سببا للوصول بعد فقد النعيم بعد العصيان الذي وقع فيه آدم وحواء بإتباعهم لإغواء إبليس.

ثم استبعدت الأفكار عن رأسي لبرهة من الوقت ؛ منشغلة بمنظر النهر ،وروعة المنظر الجميل الذي هدأت به عيني وارتاحت أذني من ذاك الضجيج؛ لتولد في رأسي فكرة أخرى .. أنه من وسط الشقاء يولد الجمال والنعيم حتى ولو بالإحساس. فلماذا لا نهون على أنفسنا هذا الشقاء ؟

فالكون في جمال لا حصر له ، فالنظر حتى إلى زهرة تخرج من حضن الصخر جمال، متابعة دقيقة للحياة من حولك يجعلك تدرك مدى النعمة التي أنت فيها ،وظلت روحي تعاتب الطين الذي في أصل تكويني وتقول لنفسي  : لماذا و لماذا ولماذا ؟

وقاطعني منظرا مَر من أمام عيني .. معدية يستخدمها الناس ؛للعبور لضفة النهر الأخرى تستخدم بوسيلة بدائية رغم التقدم والتكنولوجيا، ولكنها على ما تبدو مؤمَّنة على أرواح الناس ،حيث وجدت قائدها  حريصا ألا يزيد العدد على جماعة محددة وعلى الباقي أن ينتظر ؛ليفرغ حمولته ويعود إليهم حيث أن النهر ليس بكبير ، فقلت: لماذا يستقل هؤلاء الناس هذه المعدية ولا يخشون النهر ؟

بالرغم من أن هناك وسائل  أخرى كثيرة ، كوبري علوي ،أو حتى ركوب تاكسي ، أهي العجلة ؟ أم هو   الكسل لطلوع الكوبري ؟أم المبلغ الضئيل من المال الذي يدفعونه مقابل الوصول للضفة الأخرى ؟أم هناك مبررات أخرى ؟ ،  فقلت لنفسي : ما عساكي أن تفعلى للوصول للضفة الأخرى وبدون تردد قلت سأستقل هذه المعدية فقط

لجمال الشعور النفسي الذي ينفذ لروحي من هذه التجربة الشيَّقة، فضحكت على ردي وقلت: إذا ربما يكون هذا سببا لأحدهم أيضا ، نظرت بالساعة فوجدت العصر أقترب فنظرت حولي ؛ لعل يكون هناك جامع اذهب إليه وبالفعل عن بعد وقعت عيني على مئذنة شاهقة فتوجهت إليها بعدما عبرت طريق السيارات بصعوبة ‘حيث أني كالأطفال أخاف عند العبور من طريق السيارات السريع حتى أنى أحدث ارتباك لسائقي السيارات حتى أعبر ؛ الحمد لله عبرت ودخلت الجامع وكان المؤذن ينادي لصلاة العصر والكل يهرول ويستعد ويتأهب للصلاة

وفى تلك اللحظة جلست لأصلي ركعتي تحية للمسجد حتى يقام للصلاة

ونادى بعد فراغي من ركعتي تحية المسجد الأمام لإقامة الصلاة فاصطفى الجميع للصلاة ،واندمجت الروح في روحانيات الصلاة والمسجد ثم أتممنا الصلاة جماعة ،وبعدها جلست أسبح خلف الصلاة ،وأذكر الله وأمسكت مصحفي أتلو سورة يس المقربة لقلبي

وبعد أن فرغت من قراءتي أسندت ظهري على أريكة بالمسجد ؛أراقب تصرفات زوار المسجد من السيدات اللائي يصحبن أطفالهن للمسجد ولا يعبئن بقدسيته ، فأنا لا أمانع اصطحابهن لأطفالهن للمسجد؛ ليعودهم على الصلاة بالمسجد ؛ولكن هناك محظورات واجب الانتباه لها فالأطفال يهرولن بالمسجد ،ويلقون بالأطعمة على الأرض والأمهات نسين أنهن في بقعة طاهرة واجبة الاحترام فعلى الأقل يقمن بنهر الأطفال عن فعلهم بالتوجيه القويم ،وأثرت في نفسي حزنا عظيما على أفكار هؤلاء النساء للذهاب للصلاة بالمسجد ؛ فالصلاة ليست عادة،بل عبادة المهم لها قدسيتها أقصرت أفكاري وحملت حالي وخرجت من المسجد

وفي طريق العودة ، وجدت أمام المسجد جمعا من الناس ،لم يأخذني الفضول؛ لأعرف على ماذا يلتفون فهذه عادة الشعب  المصري أكيد يجتمعون على سلعة ما ، فسرت قليلا وإذا ببائع للكتب القديمة ،والحديثة ومنها كتب كثيرة لأستاذى الفاضل د/مصطفى محمود فلفت انتباهي كتابا قرأته من زمن طويل “حوار مع صديقي الملحد”

وسريعا تذكرت أحداثه ،وكيف أن  الإلحاد يولد من ضعف الأيمان، والغرور الذاتي للنفس الموهمة بالقوة الذاتية، كنت أتصفح عناوين الكتب بعيني ،لأقرأ مضمونها بفهمي بعض الشئ،ثم لمحت كتابا آخر حديث بعض الشئ لعائض القرني بعنوان “لا تحزن” وأيضا هو من أصدقاء مكتبتي القديمة ، وكتب أخرى للإمام الغزالي “هموم داعية”

،وآخر للشعراوي “معجزة القرآن الكريم” والكثيييير من الكتب التي تحتويها مكتبتي القديمة ،كما لو كنت أقف أمام مكتبتي وأتذكر حروف كتبي ،وتندهت تنهيدة حزن ؛وقلت لنفسي:كم من الوقت مر ولم امسك كتابا وأنسى به الوجود من حولي  ؟.

ثم توالت برأسي أسئلة عديدة هل استكفيت مما قرأتي سابقا ؟، أم مللتي بعض المفاهيم المتشابهة ،أم عرفتي أن العنوان كافي لما وراء الباب فاكتفيتي بالنظر إلى العناوين؟ ،أم استصغرتي الأفكار التي لا تدعو إلى شئ إلا إلى الضلال ؟،أم هي قناعتك أن الكتابة أصبحت لقصص الغرام والعشق ومحاكة الجسد وفقا لثقافات ضالة ؟ وليس للثقافة والوعي والفهم ؟

 

المهم لم أترك لنفسي العنان أكثر من ذلك في تلك الأسئلة ،ثم ذهبت لأكمل طريق عودتي على الأقدام ،وفجأة تذكرت أنى لم أتناول حتى قهوتي، فوجدت أمامي كافية فدخلت ،وجلست بالاتجاه المطل على إحدى الحدائق حتى أرتاح ،وطلبت فنجانا من القهوة ، فإذا بمشاهد أخرى تشد انتباهي

لمجموعة من الشباب والفتيات المستهترين ، حيث لحظت أن الكافية رواده الكثير من شباب الجامعات ،والمدارس يشغلون الهواتف على أغاني غريبة المنطق بعيدة تمام عن الطرب، ويضحكون بقهقهة عالية دون احترام لزوار الكافية ،وطبعا كل واحد قاعد بفلوسه يعني لا تعليق ،فالعيب تفشى، حتى صار منهجا للسلوك يعني أنت حر مش مشكلة تزعج الناس .

 

فالعميلة ليست  اختلاف أجيال ، فهي طريقة تربية ودين فقط ، المهم انتهيت من قهوتي ،وتناولت كأسا من الماء ،وانصرفت حاملة بعض الأفكار برأسي ربما تعجبا ؛لرؤية كانت غائبة عن إدراك فهمي يوما ما ،وفي طريق عودتي للمنزل ظلت كل المشاهد من لحظة خروجي صباحا حتى هذه اللحظة برأسي تراودني فيها أسئلة كثيرة أجد إجابات لبعضها ،وأعجز عن إجابة البعض الأخر ، ولكن كان أكثر الأسئلة إلحاحا هل كنتي سعيدة بهذه النزهة ؟

فوجدتني أجيب: نعم ،فقد التقيت بنفسي القديمة فكم كنت افتقدها كثيرا! ، حقا جميعا يحتاج لنزهة سير على الأقدام ربما يدرك في الطريق حكمة مفقودة من صفحات العمر

شاركها:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *