الأحد , 21 يوليو 2019 - 5:44 مساءً
رئيس التحرير محمد السيد
المشرف العام حسن ثابت هويدى
مستشار التحرير د.صباح الحكيم
د. نيفين عبد الجواد

غوغاء – بقلم- د. نيفين عبد الجواد

اخبار النهارده – بقلم- د. نيفين عبد الجواد

دكتوراه الفلسفة فى السياحة والإرشاد السياحى

كلية السياحة والفنادق – جامعة الإسكندرية

عندما تُقرر أن تجلس لمشاهدة إحدى الحفلات التى تبعث فيك الطاقة والحماس وتملأ وجدانك بالراحة والسلام، فستجد نفسك أمام فنانة راقية بصحبة فرقة موسيقية بارعة على مسرحٍ غاية فى الإبهار يلتف حوله جمهور واعٍ يدرك معنى كل كلمة من الكلمات المغناة، ويُقدِّر قيمة كل دقيقة تم بذلها لإخراج هذا المنتج الفنى الراقى ليستمتع به ذلك الجمهور المحترم.

إنها لبنان التى تحتضن حفل السيدة جوليا بطرس عامًا تلو الآخر لتعيد لذاكرة العالم العربى رونق الحفلات الغنائية التى كانت تقدَّم فى مصر منذ أكثر من نصف قرن من الزمان، والتى كانت تستحوذ على اهتمام القاصى والدانى فيَفرغ الجميع من أى شيء يمنعه عن المتابعة؛ ليُفرِّغ نفسه لنيل ذلك القسط من الارتقاء الروحى والسلام النفسى والاستمتاع الشعورى والصفاء العقلى. تلك الحفلات التى كانت تضم أسماء عمالقة الشعر والموسيقى والغناء والتى كانت تقدِّم للجماهير فى العالم العربى أجمع روائع الأعمال الغنائية لينشدها الجميع بوعى ويتغنى بها الناس من كل الدول العربية رغم اختلاف لهجاتهم.

وهذا هو شأن الفن الهادف الذى لدى صناعه رسالة يسعون لتقديمها بكل جدٍّ وجديةٍ وتنافسٍ وإخلاص ومثابرة، أما ذلك العبث الذى يزيد الحياة صخبًا وضجيجًا ويعكر صفو كل رائقٍ ويكدر مزاج كل سامعٍ فيضيف للتلوث تلوثًا جديدًا ويثقل كاهل الناس بأعباءٍ معنوية تفقدهم الرغبة فى التعرف على مباهج الحياة، ومن ثم تسلبهم مع الوقت القدرة على تذوق كل جميل والافتتان بكل بديع.

إن الارتقاء بالذوق العام هو مهمة شاقة إذا قدِّر لأحدٍ أن يُكلَّف بها، وبينما ينجح الكثيرون فيها إذا أعدوا العدة لها، يخفق آخرون لا لشيء سوى لأنهم لم يضعوا نصب أعينهم أنه لا مناص من النجاح. وبلدنا مصر كانت منذ أكثر من نصف قرن من الزمان تحفل بساحة يتنافس فيها الجميع على تقديم الأفضل فى كل مجال، فكان الفن يرقى بالذوق العام، والتعليم يرقى بالعقل الجمعى، والثقافة ترقى بالإنسان المصرى ليقف شامخًا مرفوع الرأس لا استكبارًا فى الأرض ولكن اعتزازًا وفخرًا بما ينتجه فى كل ميدان.

وها نحن الآن نرى أغلب الناس من الطبقات كافة قد تخلت عن أبسط آداب التعامل الراقى والاستماع الراقى لتشيع فى المجتمع غوغاء صاخبة، وليعمه ضجيج لا مهرب منه، فيضيع الانتباه ويتشتت التفكير بلا عائدٍ أو جدوى. والشعوب عندما تفقد القدرة على الانتباه وتتخلى عن التركيز اللازم لها للسير قدمًا فى الحياة، تجدها تألف الفوضى وتعتاد على عدم التفكير فيكون من السهل أن تقبل القبيح وتتقبل كل مسخ فتركن للتلقين ومن ثم ترفض كل جديد وتعارض أى تغيير.

وحتى لا يسيطر الغوغاء على مشاهد الحياة كافة أكثر من ذلك علينا جميعًا أن نتوقف لبرهة قصيرة نتأمل فيها حالنا الذى وصلنا إليه. ويكفينا فقط أن نتابع أية حفلة من حفلات المسارح المكشوفة أو أى تجمع عام لنشاهد بأعيينا الغالبية العظمى من الأفراد وقد اتسمت سلوكياتهم بالفوضوية وتصرفاتهم بالعشوائية، ناهيك عن عدم اكتراثهم بنظافة المكان أو نظامه منذ قدومهم إليه وحتى انصرافهم منه،  لندرك حينئذٍ أن كل ذلك هو نتاج أسر لم تعد تهتم كفاية بتربية أبنائها، ونتاج تعليم تلقينى ترك أبنية المدارس خاوية بينما شقق الدروس الخصوصية مكدسة بالتلاميذ، ونتاج ثقافة لا تهدف لبناء فكر الإنسان وتنمية وعى المجتمع بقدر ما تهدف إلى بناء بنايات ثقافية شبه خاوية من الإنتاج الثقافى الحر والإبداع الفكرى المتجدد.

وإذا كان الفن والأدب والدراما يصارعون بشراسة ليزيح ما هو جيد كل ما هو رديء من طريقه ليصل إلى أكبر عدد من الجماهير، فإن تلك الإزاحة ستظل عصية ما دامت الغلبة ليست للقيمة بل للمادة، وللمكسب المادى والعائد النفعى الفردى على حساب المكسب القيمى والعائد المجتمعى.

 

التعريف بالكاتبة:

مرشدة سياحية حاصلة على دكتوراه الفلسفة فى السياحة والإرشاد السياحى

من كلية السياحة والفنادق – جامعة الإسكندرية

باحثة فى الآثار القبطية والإسلامية وكيفية توظيفهم سياحيًا فى مصر

وكاتبة مقالات علمية ومقالات رأى على المواقع الإلكترونية باللغتين العربية والإنجليزية

منبر الشروق –  البيان بوست – العربى اليوم– أخبار مصر النهاردة – اليوم السابع –  بوابة فيتو – شطرنج للإعلام – Tour Egypt

صدر لها كتاب أثرى سياحى بعنوان: “أديرة وادى النطرون – دراسة أثرية سياحية”

ط1، عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، 2004م؛

 ط2، الهيئة المصرية العامة للكتاب (مكتبة الأسرة)، 2007م

ومجموعة قصصية بعنوان: “الأقاصيص المائة قبل الأخيرة”

ط1 ، المكتبة العربية للنشروالتوزيع ،2019م

 

 

شاركها:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *