الأحد , 21 يوليو 2019 - 5:18 مساءً
رئيس التحرير محمد السيد
المشرف العام حسن ثابت هويدى
مستشار التحرير د.صباح الحكيم

“رواق المغاربة بالأزهر … شاهد أثري على التواصل الروحي المغربي- المصري ” للدكتور/ أحمد البهنسي

أخبار النهاردة- كتب د/ أحمد البهنسي

في وسط أحد أهم ميادين القاهرة الفاطمية القديمة التي تعج بحركة المارة وزبناء المحال التجارية، ينتصب الجامع “الأزهر” شامخا شموخ حركة التاريخ الديني والروحي بل والسياسي التي مرت عليه خلال قرون سابقة وحتى وقتنا الحالي، لتعبر – وبكل قوة- عن استمرارية الوجود الإسلامي وقوته عبر أرجـاء العالم شرقه وغربـه.

فرغم وقوع الجامع الأزهر بميدان تجاري بقلب مدينة القاهرة القديمة، تحيط به محال الملابس والأقمشة والعطور والتوابل إضافة إلى المكتبات الدينية والعلمية، إلا أن قيمته تتجاوز مجرد كونه مسجدا أو جامعا تقام به الصلوات والشعائر الدينية الإسلامية؛ ذلك لكونه أيضا جامعة مزجت بين علوم الدين والدنيا، وتخرج منها كبار العلماء والمقرئين والمفكرين ليس المصريين وحسب بل العرب والمسلمين أيضا، علاوة على دوره السياسي الذي لعبه على مر تاريخ مصر لاسيما إبان فترات الاستعمار الأجنبي؛ إذ كان للأزهر الشريف التأثير الكبير في التخلص منه. 

 

 

يربط المؤرخون بين الجامع الأزهر الذي تأسس عام (359هـ/970م) وبين جوامع أخرى شابهته في العمارة والوظيفة، تم تشييدها بحواضر مغاربية، ومن أهمها (جامع الزيتونـة) الذي تأسس في مدينة تونس العاصمة عـام 116هـ، و(جامع القرويين) الذي شُيد في مدينة فاس المغربية عـام 245هـ، وبالتالي لم يكن غريبا أن يكون للمغاربة (رواقا/ مجلسا علميا) خاصا بهم في قلب ساحة الجامع الأزهر، يشهد على ذلك التمازج الروحي والديني والتاريخي بين المغرب وحواضره المختلفة وبين مصر.

و”الرواق” داخل الجامع الأزهر، هو مجلس أو ساحة علمية يجتمع فيه طلبة العلم، ويتضمن كذلك أماكن لإعاشتهم وكسوتهم ومطعمهم ومشربهم، ويكون للرواق “شيخ” مهمته إدارة مصالح الرواق، يعاونه “وكيل” عنه في غيبته، ويساعدهما “نقيب” وهو أحد طلبة الرواق القدامى.

بالنسبة لرواق المغاربة تحديدا، فيقع بالجانب الغربي من صحن الجامع الأزهر، يتصدره باب خشبي ضخم، منقوش على أعلاه عبارة (عزٌ لمولانا السلطان الملك الأشرف أبو النصر قايتباى أيده الله)؛ إذ يُنسب للملك الأشرف قايتباي أحد سلاطين الدولة المملوكية التي حكمت مصر، تجديد هذا الرواق وترميمه والعناية به، ووضع هذا الباب الخشبي عند مدخله والمتبقي بحالة جيدة جدا حتى الآن.

الأهمية الآثارية والتاريخية:

نظرا للأهمية الآثارية والتاريخية لهذا الشاهد، فقد طالته العديد من عمليات الترميم التي مرَّ بها الجامع الأزهر على أيدي سلاطين وحكام ورؤساء مصر المتعاقبين، رغم أنه الشاهد الآثاري الوحيد في الجامع الأزهر الذي ظل لعقود طويلة محتفظا بحالته ورونقه ولم تطله يد الإصلاح والترميم سوى بالقليل.

كما أن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونيسكو)، كانت من ضمن الجهات المشرفة على عملية ترميم هذا الرواق، وتأكدت من خلال خبرائها أن عملية الترميم التي قامت بها مصر كانت دقيقة وراعت البعد الفني والآثاري والتاريخي للرواق.

تتجاوز أهمية هذا الرواق البعد الآثاري، وذلك لأنه من المكونات الأساسية بالجامع الأزهر التي تعكس التمازج الثقافي المصري والشرقي مع ثقافة المغرب، ودليل حضاري وتاريخي واضح على كون أن روح مصر تعيش في المغرب، وأن عقل المغرب يعيش في مصر.

فرواق المغاربة يقع داخل الساحة الرئيسة للأزهر، وفي موقع ظاهر للعيان وليس مخفيا مثل أروقة وأجزاء أخرى من الجامع، ولا يقع في الدور العلوي الذي يمثل مجرد حجرات مهجورة من الجامع، الذي يشمل 34 رواقا مختلفا، يعد أهمها رواق المغاربة؛ إذ أن معظم هذه الأروقة قد اندثرت أو تم هدمها لأسباب معمارية وبقى منها القليل، في حين بقى رواق المغاربة محافظا على حالته المعمارية وعلى دوره الروحي والتاريخي، فقد ظلت له مكانته الآثارية بل والدينية داخل المسجد ولم تتراجع أبدا.

الدور الثقافي والروحي:

لعب رواق المغاربة بالأزهر دورا كبيرا في حالة التمازج الثقافي والروحي ليس بين مصر والمغرب وحسب، بل بين الشرق الإسلامي كاملا والغرب الإسلامي كاملا، فقد توافد عليه طلاب وعلماء من جميع بلدان المغرب الإسلامي، فهو حلقة وصل دينية ربطت بين الفكر الإسلامي في مصر ونظيره في المغرب منذ فجر الإسلام وحتى الآن.

والحديث عن “رواق المغاربة” لا يعني حديثا عن شاهد أثري وحسب، بل حديثا طويلا عن تهافت المغاربة على مصر منذ أقدم العصور وحتى يومنا هذا، كما يعني البحث في بطون الرحلات المغاربية التي لم يتردد أصحابها في كتابة مذكراتهم عن مصر، وبخاصة الأزهر الشريف وعلى الخصوص رواق المغاربة، يعني كذلك البحث في ذلك الفقه الديني الإسلامي الذي امتزجت فيه فتاوى شيوخ الأزهر المشارقة وشيوخ المغرب، بل يعني أيضا البحث في ذلك التاريخ الذي اختلطت فيه الدماء المصرية والمغربية دفاعا عن الأوطان والمقدسات الإسلامية.

فمن خلال تتبع كتب التاريخ والآثار، يظهر أن (رواق المغاربة)، كان العُمدة والمرجـع فيما يُحرر هناك حول فقـه المذهب المالكي الذي أصبح المذهب الشعبي والرسمي في بلاد المغرب إلى وقتنا الحالي، فقد كان بمثابة بعثة علمية ثقافية إجتماعية للجالية المغربية في مصر، وأصبحت له إدارة خاصة به ترعى شؤونه وتُشرف على مرافقه، ويلقى الدعم من قبل الأسر والعائلات المغربية الثرية مثل عائلات أَمْغار، وبَنونة، والتَّازي، والجزولي، والجمالي، ولحلو، والدُكالي، والرعيني، والركراكي، والزَرهوني، والغزاوي، والفاسي، والمِكناسي، والناظوري، والصبَّاغ، والسحيمي، وابن سعيد، والسوسي، وابن شقرون، والهواري، واليوسي… إلخ.

كما كان لافتا أن هذا الرواق تحول إلى ما يُشبه الجامعة العلمية المتكاملة، يترأسها شيخ مغربي تربطه قواعد محددة بفضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر؛ إذ يتولى الشيخ المغربي عملية إصدار الفتوى لأهل المغرب اعتمادا على ما درسه من فقه الشرق الاسلامي في الأزهر، ومن أدلة ذلك عندما رُفع كتاب (رسالة) في عهد السلطان المغربي أبي العباس بن أحمد بن محمد الوطاسي (943 هـ) إلى علماء الأزهر يستفتيهم في حكم من نصبوا محرابهم في مدينة فاس المغربية بين المشرق والمغرب، كذلك ما حدث أيام السلطان مولاي إسماعيل ابن الشريف (1082 هـ / 1139 م) الذي استفتى علماء الأزهر حول القضاء على الرق وانتظام المحررين في سلك الجيش المغربي.

أما عن الدور العلمي والروحي لهذ الرواق في وقتنا الحالي، فيقول عنه فضيلة الشيخ الدكتور محمود دراز المدير العام للجامع الأزهر، إن الرواق بمثابة صرح علمي متكامل داخل الجامع الأزهر، يُحاضر فيه كبار الشيوخ والعلماء من الجامع الأزهر ومن جميع أصقاع العالم الإسلامي، إذ تتركز دروسهم على جانبين، الأول: هو الفقه المالكي باعتبار أن المذهب المالكي هو الأكثر انتشارا ببلاد المغرب، والثاني: هو الحديث النبوي الشريف الذي يحتل مكانة بارزة عند علماء المغرب.

في هذا الصدد، يذكر أن آخر العلماء المغاربة الذين كان لهم نشاط في هذا الرواق هو فضيلة الدكتور مصطفى بن حمزة عضو ما يُسمى بالمجلس العلمي الأعلى في المغرب وهو المجلس المكلف بادارة الشؤون الدينية في المغرب؛ إذ ألقى بن حمزة يوم 25 فبراير الماضي محاضرة بهذا الرواق عنوانها (مدخل إلى النص الشرعي)، ألقاها أمام عدد من طلبة وشيوخ الجامع الأزهر عقب صلاة المغرب، وقد شهدت حضورا كثيفا ولاقت استحسانا كبيرا بين جموع الحاضرين، لاسيما أنها تعرضت لكيفية مواجهة علماء العصر لمظاهر العنف والإرهاب والغلو في الدين.

  وبشكل عام يعد هذا الرواق أحد الشواهد على هذه الحالة من التمازج بين مصر وبلاد المغرب كاملة والمملكة المغربية خاصة، تلك الحالة الممتدة على جسر من التواصل الروحي والديني والثقافي عبر حقب التاريخ المتعاقبة، لتُقَرِّب دائما ما هو بعيد بين شعبي مصر والمغرب، وتمزج دائما بين روحي شعبين ما جمعمها كان أكثر بكثير مما فرقهما.

شاركها:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *