السبت , 19 أكتوبر 2019 - 4:28 صباحًا
رئيس التحرير محمد السيد
المشرف العام حسن ثابت هويدى
مستشار التحرير د.صباح الحكيم

قبل أن نفقد النيل … للدكتورة/ إيمان النبوي

أخبار النهاردة- بقلم/ إيمان النبوي

” مصر هِبة النيل ” من منا لم يسمع هذه الجملة منذ الصِغر و يعرفها كما يعرف شكل و ألوان العَلَم  ؟ لكن …كم منا يعتنق هذا المعنى و يترجمه في سلوكه تجاه مياه النهر ؟
 
عندما أتحدث عن  عدم تقدير قيمة النيل ابتداءً بشخص يلقي بعلبة مياه غازية فارغة أثناء نزهته النيلية اللطيفة في مقايضة غير عادلة ؛ بادل فيها الجمال قبحا و إيذاءً ، إلى أولئك أرباب المصانع المتغطرسة ؛ تلك المصانع التي لم ترع للنيل هيبته ولا عراقته ، هي التي لا تمثل في عمر الزمن بجانبه شيء ، فلم تكتف بالقيام على ضفافه دون تأدب بل أمعنت في الامتهان فألقت مخلفاتها السامة و الملوثِة فيه .. ومن رجلٍ ” طيب ” يلقي بالمياه هدرا فى الشارع أمام بيته أو دكانه في يومٍ حار الطقس أو ربة منزل “شاطرة” تستنزف المياه بلا رحمة لترات و لترات تفوق أضعاف ما تحتاجه فعلياً لإنجاز حوائجها المنزلية .. مشاهد يومية للتعدي على مياه النيل.. و الكل حال إيذاء النيل مدانٌ يا سادة !

و بعيداً  عن الرومانسية في التعبير عن سوء التعامل مع النهر و التعدي عليه ، يؤسفني أن أطلعكم على الآتي :

طبقاً لتقرير التنمية الصادر عام 1991 كان من المفترض أن يقل نصيب الفرد من المياه العذبة في مصر إلى 645 م٣ بحلول عام 2025 ، ما حدث أن الآن في 2019 وصل نصيب الفرد إلى 600 م٣ و لمّا نصل ل 2025 بعد !.
بل و من المتوقع  أن يصل نصيب الفرد الى 300 م٣ في مصر بحلول 2030 ، بسبب زيادة الكثافة السكانية و تحديات سد النهضة .
فإذا علمنا أن خط الفقر المائي يقدر بـ 1000 متر مكعب من المياه سنوياً للفرد كما تحدده الأمم المتحدة ، وأن حد الندرة المائية عند 500 متر مكعب للفرد سنوياً ، يمكنك حينها أن تدرك حجم المشكلة .
أما عن تلوث مياه النيل فإنه لا يؤثر فقط في رفع الكلفة المادية الخاصة بإعادة معالجة المياه ، إنما يمتد أثره المدمر على الثروة السمكية حيث أن التلوث بالمخلفات الصناعية والزراعية يؤدي إلى نفوق الأسماك وبالتالي زيادة أسعارها كنتيجة طبيعية لقلة المعروض حيث يرتبط الاستزراع السمكي بمواسم ومواعيد محدده  .

و في تقرير وثائقي أعده بيتر شوارتزتاين  لقناة “بي بي سي”  بعنوان ” وفاة نهر النيل ”  أوضح أن نهر النيل يواجه خطر المحو من الوجود تمامًا، بسبب خمسة أخطار واضحة، وهي : انخفاض نسبة هطول الأمطار في دول المنبع، بالإضافة إلى التغيّرات المناخية، ومنها ارتفاع درجات الحرارة واتساع موجة التصحر، وإلقاء السكان والمصانع المخلفات في المدن التي تقع على شاطئيه من المنبع حتى المصب، فضلًا عن ما أسماه “صراع السدود” وخاصة سد النهضة الأثيوبي ، و الذي اعتبره أخطر عوامل اضمحلال نهر النيل .

 التاريخُ يذكر أننا فقدنا النيل بالفعل يوماً ما في واقعة كارثية عُرفت ب “الشدة المستنصرية” و هي مجاعة حدثت بمصر نتيجة غياب مياه النيل بمصر لسبع سنين متواصلة عرفت بالعجاف نهاية عصر الخليفة الفاطمي المستنصر بالله ،حيث روى المؤرخون أن الأرض تصحرت وهلك الحرث والنسل وأكل الناس القطط والكلاب وجاع الخليفة نفسه حتى أنه باع ما على مقابر أبائه من رخام وتصدقت عليه ابنة أحد علماء زمانه وخرجت النساء جياع صوب بغداد
و أكلت الناس الميتة وأخذوا في أكل الأحياء وصُنعت الخطاطيف والكلاليب ؛ لاصطياد المارة بالشوارع من فوق الأسطح و أُكلت لحوم البشر !

إن نهر النيل ليس فقط ركن أساس في الأمن القومي المصري ، بل مسألة وجود أو فناء .. و بدون مبالغة فإننا  إذا شبّهنا مصر بكل مكونات الدولة بالجسد فإن مياه النيل هي الدم الذي يسري في أوردته و شرايينه فإذا كان مجرد تلوث الدم يؤدي للوفاة ، فما بالك إذا تصفّى الجسد من الدم !

فهلا تنبّهنا …. قبل أن نفقد النيل ؟!

شاركها:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *