الخميس , 27 فبراير 2020 - 3:11 صباحًا
رئيس التحرير محمد السيد
المشرف العام حسن ثابت هويدى
مستشار التحرير د.صباح الحكيم

د. نيفين عبد الجواد تكتب – ” جمال حمدان و سِرُّ تفرده “

أخبار النهاردة-  بقلم – د. نيفين عبد الجواد

إنه “جمال حمدان” شخصية معرض القاهرة الدولي للكتاب هذا العام، وابن القليوبية الذى عاش فى الفترة [1928-1993م]، والذى لم يكن مجرد أستاذ أكاديمي يُدرس علم الجغرافيا لطلابه الجامعيين، بل كان واحدًا من أبرز المفكرين الاستراتيجيين فى العالم العربي والإسلامي. ففى خلال الستينات من القرن الماضي تنبأ بتفكك الكتلة الشرقية الذى تحقق فيما بعد، والذى أعقبه تفكك وانهيار الاتحاد السوفيتى وسقوط الشيوعية، كما جاهر “جمال حمدان” بفضح أكذوبة اليهود المعاصرين المدعين انتماءهم إلى فلسطين لكونهم أحفاد بنى إسرائيل الذين خرجوا منها قبل الميلاد، وقدَّم الأدلة العلمية التى تفند الأسس الواهية التى قام عليها الكيان الصهيونى، والتى تهدم المقولات الأنثروبولوجية التى تأسست عليها تلك الدولة المحتلة.

ولأنه كان مختلفَا فقد تمكن من تحقيق التميز والانفراد الخاص به، فبالرغم من عزلته فى منزله البسيط لسنوات طويلة متفرغًا للبحث والكتابة بعيدًا عن صراعات الحياة ومغرياتها، إلا أنَّ ذلك الخيار الذى فرضه عليه واقعه المحيط به والرافض لمواقفه الوطنية ولفكره المُجدِّد، كان سببًا فى تفرغه لإنتاج ما سيمنح اسمه الخلود والبقاء. وإذا كان مُقدَّرًا له أن يظل بعيدًا عن الأضواء لفترة طويلة من حياته، إلا أنَّ تأثير كتاباته لم يكن محدودًا، بل لقد نال بعض التكريم الذى يعد قليلًا مما يستحقه بعدما ترك إثر وفاته بطريقة غامضة عددًا من الكتب بلغ تسعة وثلاثين كتابًا، بالإضافة إلى تسعة وسبعين بحثًا ومقالة.

وكانت أولى الجوائز التى حصل عليها “جمال حمدان” فى مصر هى جائزة الدولة التشجيعية فى العلوم الاجتماعية عام 1959م، ثم جائزة الدولة التقديرية عام 1986م، وتلاها وسام العلوم من الطبقة الأولى عن كتاب “شخصية مصر” عام 1988م. كما حصل قبل وفاته بقليل على جائزة التقدم العلمى من دولة الكويت عام 1992م.

وإذا كانت معاناة “جمال حمدان” الحقيقية هى عدم تبنى المؤسسات الرسمية التعليمية والتثقيفية والإعلامية لفكره بنوع من التدعيم والمؤازرة طوال فترة جهاده التنويرى وبحثه العلمي، فإن دوره التنويرى قد تكفل هو به بمفرده، فاستطاع أن يؤسس مدرسته فى التفكير الاستراتيجى الذى مزج فيه بين علم الجغرافيا المقتصر على الحقائق الجافة الخاصة بالموقع والتضاريس والسكان، وبين علوم التاريخ والاقتصاد والسياسة والأنثروبولوجيا ليظهر ما أسماه بعلم “جغرافيا الحياة”، الذى يشمل العلم والفن والفلسفة، والذى ينتج عنه الفكر الجغرافى فتنتقل معه الجغرافيا وحقائقها العلمية إلى أفكار شاملة تضم علم الجغرافيا كمادة لها، وفن الجغرافيا الذى هو معالجتها، وفلسفة الجغرافيا التى هى رؤيتها، ليقدم بذلك فكرًا جغرافيًا ثلاثى الأبعاد قادرًا على التحليل والنقد والاستنتاج والاستنباط والتنبؤ واستشراف المستقبل.

وكان ذلك هو سر “جمال حمدان” الذى منحه التفرد والتميز على أقرانه، والذي كان سببًا فى خلوده وبقاء تراثه العلمي والفكري.

 

شاركها:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *