الأحد , 29 مارس 2020 - 2:39 صباحًا
رئيس التحرير محمد السيد
المشرف العام حسن ثابت هويدى
مستشار التحرير د.صباح الحكيم

” أريدك و لا أريد ” .. للأديبة / نهاد عبدالملك

أخبار النهاردة- بقلم / نهاد عبدالملك
 
أستطيع أن أعترف اليوم بأنني كنت أحيا منعزلة داخل عالمي الخاص مغردة خارج السرب كما يقولون ..لا أعبأ بما يدور حولي ..أنأى بنفسي عن أي صراعات أو مشكلات ..أشعر أنها قد تستهلك من روحي وذاتي الكثير و أوفرها لما سيأتي مستقبلا…أردد لنفسي دائما ستحتاجين لكل ذرة بكيانك فيما بعد..إدخريها…
حتى أنني لاأطلب شيئا إلا إذا علمت يقينا أنه مجاب …وإذا ساورني أي شك في القبول ..أتنحى تماما عن الطلب ..لا أريد أن أعكر صفو أيامي بشىء تافه ..أثير حوله مشادات و عبارات كثيرة لا تؤتي بشيء سوى الضجر ..
حتى ترسخت صورتي بأعين الجميع كشخصية هادئة مطيعة لا تثير أي مشاكل في أي إتجاه ..وتناسوا مقولة “تحت الرماد النار” فهبة ريح قادرة على إشعالها … تعلمت منذ طفولتي أن أتغابى فكل المحيطين بي لم يقدروا ذكائي و فهمي لكل مايحيط بي من أقوال و أفعال ..هذا الذكاء الوليد نما مع الأيام بعيدا عن العيون حتى تحول مع الأيام لنضج عقلي فاق سني…
تغاضيت كثيرا عن مقارنات تداولوها عني تقارنني بإخوتي أو بعض قريبات لي أو حتى بإحدى بنات معارفنا ..كنت أخفي داخلي ضحكاتي فأنا على يقين تام بجهلهم بقدراتي العقلية و الذهنية و بداخلي تصميم ألا أعلمهم بها و بينما مارست حرصي ألا يطلع عليها أحد كانت الأعوام تَعْبُرني و أنا ثابتة كشجرة تمتد جذورها بالأرض لتتوغل و تكبر و تتفرع ولتعلو في إتجاه السماء و يزداد كل يوم إحساسي بأنني لا أنتمي لهذا العالم …
قد أفهمهم و لكني لا أجد أدنى قبول بداخلي لما يفعلونه و في المقابل لا أحد يفهمني ..لا أحد مطلقا … ومع كل ذلك أحيا بينهم لا يدرون عما أعانيه أي شيء … كأني أعيش حياة مزدوجة ..خارجية بينهم تبدو طبيعية تماما … وأخرى داخلي لا يعلمها سوى ربي…
تمر سنوات الدراسة على أفضل مايكون و لميلي وولعي بالرياضيات ما جعلها أحجيتي المفضلة … وإزدادت براعتي بها لدرجات لم يرقى لها أحد غيري …حتى تولد بداخلي تحدي عظيم ألا يستطيع أي واضع لإختبارات بها أن يتغلب عليَ … هذا ما حدد وجهتي و بقوة لدراسة الرياضيات و التخصص بها وكان التخرج بتفوق أولى دفعتي و التعيين معيدة ثم الإنخراط في الدراسات العليا لنيل الماجستير ثم منحة أكاديمية لروسيا لنيل درجة الدكتوراة….
على مدار السنوات لم أعبأ بكل محاولات البعض التقرب مني أو إظهار مشاعرهم تجاهي فبرغم شعوري المتنامي بالتزايد في الوحدة و إحتياجي لمن يؤنس حياتي و يوافقني ميولي وتفكيري إلا إنني لم أجد من يستحق التجاوب وبداخلي أمل في غد أفضل سيكافئني به ربي بعد صبري …
حاول الأهل الضغط كثيرا في مجال الإرتباط و الزواج و لكني كنت مصرة على قولي لهم لا أريد ما يشغلني عن دراستي تلك الحجة التي تقبلوها عن كثب حتى أنهي الدكتوراة … وسافرت لروسيا …. كان الجليد يغلف كل شيء ولكنه لم يختلف كثيرا عما غلفت به حياتي لأفصلها و أحميها أن تشوبها أي شائبة من الحياة المحيطة بي …
منذ أول يوم لي …عزمت أن أبذل كل جهدي لأنهي مهمتي في زمن قياسي و أعود لوطني لأضع رؤيتي لبقية سنوات عمري لاسيما أن جميع من بسني من الأهل أو الأصحاب قد تزوجوا و أنجبوا أيضا …ولم أكن أعلم أن النصيب كان ينتظرني هنا….
تلاقينا بالجامعة …تنحت العبقرية الرياضية جانبا و بقيت مشاعر الأنثى مجردة …دفء التلاقي أذاب الثلج … ومن الوهلة الأولى أدركت أنه من ينتمي لعالمي …غمرتني سعادة بالغة لم أكن أتوقعها …. شيئا واحدا كان يؤرقني وهو عمري ومدى تقبله لهذا …ولكنه طمأنني أنه لا يبالي إطلاقا بهذا و أننا ننتمي لعالم واحد لا تشغلنا تلك التفاهات …ولن يصرفه عني شيء حتى آخر العمر … ساعدتنا الزمالة على التعرف عن قرب لكل مناحي التعاملات الحياتية لكل منا وسط تفهم متنامي …أقنعني أني ملكة متوجة على قلبه ولا يرى بالكون غيري لدرجة أنني أحببت نفسي كأنني أكتشفها من جديد .. حتى إنني رسمت خريطة الشوارع و الأماكن على الأرض طبقا لكل لقاء جمعنا و كل حوار دار بيننا …
تمضي الأيام بسرعة الريح ..وبدأت الأعوام تمر كنت له بها الأخت و الصديقة و الزميلة قبل الحبيبة …كنت أحتويه في غضبه و أخفف عنه في حزنه … إتفقنا على الزواج..وقمت بالفعل بإخبار أهلي بالموضوع و بعزمنا على إتمام الزواج حين العودة للوطن ..كان هناك بعض التساؤلات و الشكوك من جانبهم و لكني أقنعتهم به ..فثقتي به ليس لها حدود..أعلمته بذلك و أخبرني أنه سيتكلم مع أهله أيضا وسنتمم كل شيء…
عدنا للوطن وإنشغلت عدة أيام مع الأهل و الجامعة … ولاحظت أنه لم يتصل بي ..قلقت عليه فطلبته لأطمئن عليه ..وجدته بخير وتعلل بإنشغاله بعدة أمور مع أهله …ووعدني أن يحدثني لاحقا ..وحدثني و لكن بعد عدة أيام …وبعد أن كنا نتحدث صباح و مساء أصبحنا نظل بالأسابيع لا نتحدث وكل مرة أوجد له العذر و أكذب شكوكي … مقابلاتنا أصبحت فاترة ومتباعدة جدا ..حتى فاض الكيل وأصبحت لا أحتمل حتى مجرد سماع أعذاره … و أدركت أنه ينتمي لعالمهم و ليس عالمي كما ظننت ..لو كنت أعلم أنه مثلهم كنت اختصرت عمرا كان بحبي منعما ….ولطلبت من ربي قلبا فارغا ولرميت ما بيننا يقبره التراب و ما دنا…أما آن لهذا القلب المتعب أن يستكين …
و بعد تردد واجهته فلم ينكر و أخبرني أنه تزوج و كل شيء نصيب وراح يصف لي جمالها دون أدنى مراعاة لمشاعري أو موقفي أمام أهلي ..كانت الصدمة أشد من أن أنطق بأي كلمات ..إلتزمت الصمت ..صمتي تحدث : أحببتك كما لم و لن يحبك أحد مثلي و إحتويتك بداخلي ..أنهيت المحادثة ثم إنفجرت بالبكاء …بعد فترة وجدت أني لا أبكيه بل أبكي نفسي ..أدركت قدري بأن أحيا حتى آخر العمر بعالمي وحدي و لكنني أحببت أن أنهي مابيننا بمواجهة وجها لوجه و ماإن إلتقيته حتى بدأت أتمتم ..ياحلم العمر و حب الذات العتية يارحمة الله المهدية … شغف الروح و النعمة الأبدية ثم إبتسمت بإستهزاء قائلة: هكذا كنت أدعوك لفرط سذاجتي ..مارس حبك كل ضغوطه عليَ ولكن بلحظة عقلانية نفضطه عني و إرتحت لم اعد أريد أن أسمع منك أو عنك شيئا …
…أريد أن أنساك … وهبني ربي الشجاعة أن أطلبها منه بعد أن ظللت كثيرا أخاف نطقها فيستجاب لي … حيز فراغ شغلته حينا من الزمن و ضاقت به نفسي … قال لي لما كل هذا إنه قدر ليس بيد أحد فقاطعته : نسيت أيام لنا و نسيتني غالبت ظني بك مرارا و غلبتني راهنت عليك الدنيا و خذلتني سقطت بذور خداعك المتأصلة فأنبتت حقيقة زيفك متجلية عندها هوت راية حنيني و جف بئر المتسامحة والآن أقولها متيقنة لم يعد نبضي يعزف لحن الهوى سأرحل بطريقي غير آسفة وستعلم في الغد القريب من كنت أنا!!!
شاركها:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *