السبت , 19 سبتمبر 2020 - 10:50 صباحًا
رئيس التحرير محمد السيد
المشرف العام حسن ثابت هويدى
مستشار التحرير د.صباح الحكيم

” فانتازيا الحياة ” للأديبة – نهاد عبدالملك

أخبار النهاردة- بقلم الأديبة / نهاد عبدالملك

وجود بعض الناس هو بمثابة المذاق الحقيقي للحياة ولا تحلو بدونهم..شعور جارف تجاه هؤلاء الناس إجتاحني مع إقتراب قدوم العيد و الترتيب له…
شيئا مابداخلنا يجذبنا ناحية أهل الأم و بيت الجد من الأم مع الترسيخ في الفكر و الوجدان أنه بيت الحنان و الدفء,لاإراديا رغم ماكانت تقوله أمنا و تحثنا عليه بأن أهل الأب هم العصب …
كان التجمع بأي مناسبة يشمل الجد و الجدة ثم الأخوال بزوجاتهم و الخالات بأزواجهن ..ويأتي بعدهم الجيل الثالث ,نحن جيل الأولاد…
زحام كان يحمل بطياته راحة الإتساع و ضجيج بطعم جمال الهدوء كلفيف من فنون زمن جميل برائحة عبق الماضي…
لذا قررت أن يكون للعيد هذا العام إحتفالا مميزا …
وعزمت على دعوة الجميع للحضور ,كل العائلة كاملة مكملة, من الجد للحفيد…
أرسلت رسائل الدعوات عبر وسائل التواصل مختومة بعلم الوصول إشعار من شركات الإتصالات يخبرني بخصم ثمن الرسالة وتم ذلك بكل يسر و سهولة…
ولكن كان هناك مشكلتان..
المشكلة الأولى هو ترتيب الجلوس فقد كان جيل الأحفاد و أنا منهم يجلسوا متراصين على الأرض أمام الكبار , فكيف الحال و قد كبر الأحفاد و صار لكل منهم عائلة و أولاد!!
وذلك يعد إمتداد و بُعدا جديدا للصورة القديمة للعائلة _صورة المملكة _ كما كنا نسميها سابقا…
كما أحضرت بعض التسجيلات الصوتية القديمة لعدة مناسبات للعائلة وبعض الأغنيات المفضلة لدينا جميعا ,وضبط شاشة لعرض متتالي من ألبوم الذكريات…
أما المشكلة الثانية و هي مشكلة أساسية ويجب التغلب عليها وهي أن جيل الرواد ,جيل الخط الأول و أكثر جيل الخط الثاني الذين سُجلت و حُددت الأماكن سواء بغرفة المعيشة أو على مائدة الطعام بأسمائهم قد فارقونا للأبد …غادروا عالمنا لعالم آخر …
فكرت أنه لا يضر من الأمر شىء ,إن حضروا معنا ليوم ,يوم واحد فقط …نستعيد فيه ألفتنا الضائعة مع الأيام…ولكن دعوتهم لا يصلح لها شبكات التواصل الحالية إطلاقا …
كان عليً أن أبحث عمن لهم الخبرة بتلك الأمور لمساعدتي في توجيه الدعوة لهم ….
وبالفعل توصلت لأناس بارعون في ذلك …وقمنا بعدة جلسات لتوجيه الدعوة للغائبين عن عالمنا للحضور تم قبول الدعوة و الحضور …
بقيً شيء وحيد أخير يحتاج مني الكثير من الجرأة و الشجاعة وهو القيام بالتعارف فيما بينهم وبين حبيبي _فليس من المعقول أن يمر عيدي بدونه_وأين سيكون مكانه بينهم؟
كيف لي أن أضع خانة الحاضر بخانات الماضي !!!وتلك معضلة أخرى كان عليً التغلب عليها …
وبعد صلاة العيد و التهليل …
بدأ توافد الجميع وسط ذهول من كل الترتيبات التي تمت وتحضير المأكولات الشهية و المميزة الخاصة بعائلتنا …
تلعثمت الكلمات فوق شفاهي وقاربت على فقدان النطق ..وقفت وسط الحضور مشدوهة أتفقد الوجوه فتخونني شفرة التعرف إليها …كان حولي أجساد بلا روح و أرواح تحوم بلا جسد ..
ضاعت ملامحنا القديمة وجفت مشاعرنا و تصلبت ..
ضحكات مفتعلة و أصوات تلونت بأنين السنين..
أحسست بشيء بداخلي ينمو نمو شيطاني ..رغبة عارمة لرفضهم جميعا ..لاأريدكم و أرفض البقاء بينكم و لكن أبواب الرحيل موصدة دوني..
وفجأة إنفجرت ،تحولت لكائن ناري يرمي بلظى و إختنق الصوت فصار مخيفا ..مخلفة حالة من الذعر بين الجميع ..
ومابين شلل حركي من الرعب و بين محاولة الفرار بعيدا عن هذا الكائن ,سادت الفوضى..
تأتي جدتي مسرعة نحوي ,لتبلسمني بيدها ..تلك هي الروح الحانية الوحيدة بهذا العالم البغيض ..
فيسكن كل شيء..ثم تتحرك بكل إتجاه محاولة أن تلملم شتات النفوس لنصطف بآخر اليوم في صورة مجمعة للعائلة ..صورة جديدة للمملكة لكنها مهترئة ..إنتصر فيها الشر..أقطاب متنافرة وأطراف وليدة تجهل بعضها ووجوه علتها بسمة مصطنعة فوق تقاسيم قاسية محفورة بيد السنين الغادرة ..
لتزيح الصورة القديمة أعلى الألبوم وتحتل مكانها بالقوة الغاشمة …
يد تهزني برفق ..أستيقظ لأجده أبي وقبل أن أشكره لإخراجي من هذا الفزع ..إختفى..
أذان الفجر يصل لمسمعي..
وقفت أتأمل السماء داعية إلى الله أن يهبني هالة من الفرح تشق صدري لتغتسل روحي بنورها من شوائب واقف التباعد المرير …
شاركها:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *